الرئيسية / سياسة / بين التدقيق و التقسيم

بين التدقيق و التقسيم

أما بعد
فقد تم التصدي للتدقيق الجنائي ، هو لم يكن يوما طرحا جديا ، بل حركة لامتصاص نقمة الشارع و ثورانه ، انتفاضته ، هبّته ، …الخ من التعابير و المصطلحات التي قد يستعملها كلٌ بحسب مصلحته.
بغضّ النظر عن الحجة القانونية و عن حماية السرية المصرفية في مقابل التضحية بالوطن ، الجميع يعرف أن السرية المصرفية ليست المقصودة بهذه الحماية ، بل هي سرية أرباح قطاع السياسة أو قُطّاعها .
هم يتعامون عن الأخطار المحدقة ، ليتعاملوا مع الضروري و الداهم منها فقط ، غضب الشارع ، شعبية الأحزاب ، أسوار الحدائق الخلفية ، و لكن هل ينجع هذا المبدأ الاداري في مواجهة الاستحقاقات الأشد وطأة ؟ما هو تأثير تعطيل التدقيق الجنائي على مستقبل البلاد ؟ على صعيد الوضع الداخلي النقدي ؟ الاقتصادي ؟ الاجتماعي و منه الى السياسي ؟
■على الصعيد النقدي و الاقتصادي:
لا شك ان مفتاح الحلول هو عودة الثقة ، و ليس خافيا على أحد أنه تم التضحية بمبدأ الثقة على مذبح المصالح الشخصية ، فهل يبقى بعد كل ذلك أمل بتحرير الكتلة النقدية عند الناس و التي يدخرونها للقادم من أسوأ الأيام ؟
ما يجري حاليا هو أن الأفراد يعضون على دولارهم بالنواجذ ، و يحاولون سيسرة أمورهم دون المس بالأخضر النبيل ، المحترم ، فهو ضمانتهم أمام العوز و الحاجة و انقطاع السبل .
مقابل ذلك يعتمدون على ما يمكن توفيره من مصادر الليرة اللبنانية ، فاذا ما تعسروا ، لجأوا الى تصريف بعض الدولارات .
هذه الديناميكية لا تخلق سوقاً، ديناميكية بطيئة لا تسمح بتراكم الكتل النقدية ، التاجر يستورد ببطئٍ و عجز ، فأما أن تغلبه أكلاف التجارة و يقع في خسارة ، و أما أن يتم دعمه من قبل الدولة فتزداد خسارتها .
من ناحية ثانية هنالك دولارات المستهلك ، فأما ان يصرف منها فتذهب للتاجر الذي يحولها للخارج و نكون امام نزف لكتلة النقد في البيوت دون أن يستلقفها المركزي ، و أما أن يتم دعم الاستهلاك و عندها نكون امام نزف لاحتياط المصارف .
■على الصعيد الاجتماعي

صحيح أننا دخلنا هذه الحلقة المفرغة بفعل سياسات نقدية و مالية ، أقل ما يقال فيها أنها مزرية الفشل ، و اقصى ما يقال أنها نتيجة مخطط ، لكن الصحيح ايضا ان سقوط التحقيق الجنائي سوف يطيل امد هذا الفراغ الى ما شاء الله .
نجحت وزارة التربية في تسيير قطار السنة الدراسية ، على سكة متعرجة ، متهالكة ، و لكن الجيد انه يسير .
ماذا سيحصل غداً ؟ في العام القادم ؟ كم سيبقى من اساتذة صامدين امام الهجرة ؟؟
بالنسبة لقطاع المستشفيات ؟ كورونا ؟ الأدوية و اللقاحات ؟ اذا ما كان لقاح الانفلونزا مقطوعا اليوم ، فكيف سيكون الوضع في العام القادم ؟ كم ستستمر هذه الجائحة ؟ كيف طاوعكم قلبكم قبل ضميركم على الاتيان بهذا الاثم ؟ ام ان كل هذا لم تفكروا به عند اسقاطكم للتدقيق الجنائي ؟
سوف تنتشر البطالة و منها الى السرقات و الجرائم ، فمزيد من الضغط على قدرات الاجهزة الامنية وصولا الى العجز ، اي اللجوء الى صيغة الأمن الذاتي ، فهل يذكركم ذلك بشيئ من الماضي ؟ كانتونات ؟ مثلاً ؟
■على الصعيد السياسي :
ازاء كل الضغط النفسي و الازمات الاقتصادية و الاجتماعية ، اجزم ، و لعل الجزم مذموم ، هذا ما اخبرتني به استاذتي و لكن فلتسمح …اجزم أن لا انتخابات ، من سيجرؤ على الانتحار السياسي ؟ في ظل القانون الحالي هنالك حزبان سينالان الحاصل الانتخابي ، مجرد نيلهم الحاصل هو انجاز ، اما الباقون فلا أمل .
واضح من الان ان لا انتخابات في المستقبل القريب ، او البعيد بُعد الخروج من هذه الحلقة المفرغة نتيجة اسقاط التدقيق الجنائي ، بل نتيجة الهروب الى الأمام .
كم ستصمد الحياة السياسية الحالية ؟ ماذا لو قرر المتربصون فرض انتخابات تحت طائلة العقوبات ؟ ماذا لو قرروا تنفيذ ما كان مقرر ؟ لا داعي للجزع … سيفعلونها ، قضوا دهرا و هم يخططون و ينتظرون هذا اليوم ، لن يوفروكم ، و لن يوفرونا ، هم ليسوا بأحنّ على يوسف من أبيه .

error: لا يمكن نسخ المحتوى للضرورة الاتصال بالادارة