الرئيسية / مقالات / اله الأشياء الصغيرة

اله الأشياء الصغيرة

نبيه البرجي
توماس فريدمان , الصحافي الأميركي البارز , صاحب كتاب “عالم مسطح” الذي يختزل فيه رؤيته البانورامية للقرن , استعار عنوان رواية الكاتبة الهندية أرنودهاتي روى “اله الأشياء الصغيرة” , ليصف دونالد ترامب بـ”اله الأشياء الصغيرة” الذي يرى العالم من ثقب في رأسه …
شخصية سياسية , واعلامية , خليجية التقت فريدمان , وكان حديث حول المشكلات الاستراتيجية التي تنتظر الولايات المتحدة بعد عقد أو عقدين من الزمان , ساخراً من خيال الرئيس الأميركي الذي “كما لو أنه خيال القردة” , حين يعلن منذ الآن ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2024 دون أن يأخذ بالحسبان أن السنوات الأربع المقبلة قد تشهد تقلبات دراماتيكية في الخريطة الاستراتيجية للعالم .
الشخصية الصديقة نقلت الينا بعض الحديث . فريدمان يعتقد أن أميركا أمام اختبارات هائلة قد تستدعي رئيساً بمواصفات الاسكندر ذي القرنين , لا بمواصفات دونكيشوت وهو يقاتل طواحين الهواء . رئيس يكون … اله الأشياء الكبيرة !
رأى أن السنوات الأربع المنصرمة “كشفت كل عيوبنا” . دونالد ترامب لا يرى سوى دونالد ترامب . لا أدمغة استثنائية في ادارته لأنه لا يستطيع أن يتحمل الرأي الآخر. لهذا تخلى , بكل تلك الفظاظة , عن ريكس تيلرسون , وجيمس ماتيس , وهربرت ماكماستر , بالرغم من أن الثلاثة يتمتعون بمزايا ديبلوماسية , واستراتيجية , لا مجال للتشكيك بها .
فريدمان يرى أن جو بايدن , صاحب التجربة الطويلة داخل “الدولة العميقة” , الذي لا عقدة لديه في أن يكون محاطاً بالأدمغة , بعيد جداً عن عقلية سلفه الذي , بكل ذلك الارتجال , مد يده الى كيم جونغ ـ أون , كما لو أنه لا يدري أن الزعيم الكوري الشمالي ذراع للتنين “الذي ينتظرنا عند كل مفترقات القرن” , دافعاً العداء لايران , العداء غير المبرر “كلياً” , الى حدود الانفجار .
ترامب بعثر كل الحلفاء . رجل يحترف صناعة الكراهية , و”دعني أقول ان أميركا بدت , على مدى الولاية , كما لو أنها ضحية تغريدات الثيران” . بدل بذل أقصى الجهود لكي يلتف الحلفاء الأوروبيون حولها في صراعها مع كل من روسيا والصين , لم يترك حاكماً أوروبياً الا وأهانه , حتى أن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون دعا , اثر مشاورات بعيدة من الضوء مع أوروبيين آخرين , الى تشكيل جيش منفصل عن حلف شمال الأطلسي .
فريدمان اشار الى أن ترامب الذي أظهرشراهة مرضية الى المال , ودون أي اعتبارات أخرى , أهمل تقارير وكالات الاستخبارات , بما في ذلك استخبارت البنتاغون , التي حذرت من التطور المثير في العلاقات بين موسكو وبكين , في اطار استراتيجية بعيدة المدى وترمي الى انشاء جبهة مضادة للولايات المتحدة , حتى أن الرئيس الأميركي لم يعبأ بتحذيرات الحلفاء في الهند واليابان وصولاً الى استراليا .
رجل لا يمتلك لا الخيال الاستراتيجي , ولا الرؤية الاستراتيجية , ولو بالحد الأدنى . أذنه دائماً مشرعة على ما تقوله ابنته ايفانكا , وصهره جاريد كوشنر , الطارئ على السياسات الكبرى , وان كان هناك من يتولى ادارته , بالخيوط , من داخل بعض مراكز القوى .
صاحب كتاب “من بيروت الى القدس” والذي يعرف كل شعاب , وشعوب , المنطقة , لاحظ أن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يتماهيان في العمل خارج منطق الأشياء , وخارج قوة الأشياء . الأزمة هنا أكثر تعقيداً بكثير من أن تحل بفلسفة الأمر الواقع .
الاثنان اللذان تجمعهما النرجسية القاتلة صاغا “صفقة القرن” , كما لو أنها صفقة للثلاجات الكهربائية . كل شيء جرى على هامش السياق التاريخي للأزمة التي ازدادت تعقيداً , وازدادت قابلية للانفجار , مع ما لذلك من تداعيات كارثية على المصالح الأميركية في المنطقة .
فريدمان يقول أن دونالد ترامب وضع جو بايدن أمام حقل من الألغام . متفائل بأن تفتتح العودة الى الاتفاق النووي حقبة أقل فوضوية , واقل التباساً , لأن بقاء الصراع هكذا يعني تشريع الأبواب أمام الدب الروسي والتنين الصيني اللذين ينظران الى الشرق الأوسط على أنه المنطقة التي ستشهد نهاية الأمبراطورية الأميركية . ما رأيكم ؟!

error: لا يمكن نسخ المحتوى للضرورة الاتصال بالادارة